السيد محمد تقي المدرسي
259
من هدى القرآن
القرآن في التشويق إلى الجنة بوصفها نتيجةً للعمل بالحق ، والتخويف بالنار بوصفها عاقبةً لاتباع الباطل ، وبالمنهج والمنطق ذاتهما حدَّث نوح قومه : « يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى » وهذان المعطيان أهم ما تحتاجه الأمم والمجتمعات التي تتجه نحو الهلاك والنهاية حضاريًّا وماديًّا ، ذلك أن العذاب الأليم الذي يحل بالأقوام ليس إلا نتيجة للذنوب والانحرافات التي يتورطون فيها ، فتكون سببا في هلاكهم ، والسؤال : لماذا قال الله : « مِنْ ذُنُوبِكُمْ » وليس ذنوبكم ، مع أن « مِنْ » تفيد التبعيض ؟ لعل ذلك لأمور ثلاثة : الأول : إن مجرد العبادة والتقوى والطاعة للرسول لا تَجِبُّ عن الإنسان كل ذنوبه ، لأن منها ما هو متعلق بحقوق الناس ، فلا تُغفر إلا بإرضائهم وأدائها ، ومنها ما لا يغفر إلا بالعمل الصالح بعد الإيمان . بلى ، إن ( العبادة والتقوى والطاعة ) تسبِّب غفران الله لأهم الذنوب ، أي التي تؤدي إلى الهلاك ، وهي بعض ذنوب الناس وليس كلها . الثاني : إنه تعالى لا يريد أن يعطي أحدا صك الأمان المطلق حتى لا يغتر بإيمانه وعمله ، إنما يوازن فيه الخوف إذ من الممكن أنه لم يغفرها ، والرجاء بما غفر له ، ويعبر القرآن عن هذه المنهجية الإلهية بصورة أخرى مثل : « لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ » [ آل عمران : 132 ] ، « لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » [ البقرة : 21 ] ، والتي تفيد الترجي لا القطع . الثالث : وإذا فسرنا الغفران بأنه محو الآثار السلبية للذنب ، فإنه يمكننا القول : بأن لبعض الذنوب آثارا واقعية لا تنمحي بمجرد الإيمان ، بل يمحو الله ما يترتب عليها من الآثار الأخروية وبعض الآثار الدنيوية السيئة . وقيل المعنى : يغفر لكم ذنوبكم السالفة ، وهي بعض الذنوب التي تضاف إليهم ، فلما كانت ذنوبهم التي يستأنفونها لا يجوز الوعد بغفرانها مطلقا ، لما في ذلك من الإغراء بالقبيح ] « 1 » . ولأن الأجل الذي ينتظر قوم نوح مترتب على منهجهم الخاطئ في الحياة ، وبالتالي ذنوبهم الفظيعة ، فإن عدولهم إلى المنهج الرسالي سوف يجنبهم الأخطاء ، ومن ثم يؤخر أجلهم إلى مدته الطبيعية أو أكثر ، وهذا من أعظم الأهداف التي ينشدها الأنبياء باعتبارهم يأتون منقذين . ومن قوله تعالى : « وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى » نهتدي إلى أن للإنسان ( فردا أو أمة ) أجلين : أجل حتمي وآخر معلَّق ، فأما الحتمي فهو الأجل الاعتيادي الذي يوافيه كل فرد فرد عند انتهاء مدته المقدرة له بالموت بعد ستين سنة ، أو سبعين أو أقل أو أكثر ، وأما المعلَّق
--> ( 1 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 134 .